Take a fresh look at your lifestyle.

العقدة الكبرى والعقد الصغرى – الحلقة التاسعة والثلاثون

 

العقدة الكبرى والعقد الصغرى

الحلقة التاسعة والثلاثون

 

 

سابعَ عشر: عقدة العلاقة مع الدنيا

 

إنّ العاقلَ الحصيفَ يدركُ القيمةَ الحقيقيةَ للدنيا، بأنها:

 

-دار ممرٍّ، وليست دارَ استقرارٍ وإقامةٍ وخلود.

 

-دار عمل وابتلاء واختبار، وليست دارَ جزاء وتمتّعٍ.

 

-دار كبدٍ ومعاناة، وليست دار راحةٍ وطمأنينة.

 

-وما فيها متاعٌ زائلٌ، متاعٌ خادعٌ، ولا تستحق التضحيةَ من أجلِها.

 

والعاقلُ الحصيفُ أيضاً يحدّدُ علاقتَه بها، على أنها كعلاقةِ الغريب في بلدٍ، أو عابرِ سبيل.

 

يقولُ اللهُ سبحانه وتعالى: (اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ  وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ).

 

والأصلُ في العاقلِ الحصيفِ أن يؤثرَ الحياةَ الآخرةَ على الحياةِ الدنيا، ليفوز في الآخرة، وتكون الجنةُ مثواه. ولكن من آثرَ الحياةَ الدنيا، فإن العذابَ مصيرُه في الآخرة، والجحيمَ مأواه، قال سبحانه: (فَإِذَا جَاءتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى، يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنسَانُ مَا سَعَى ، وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَن يَرَى ، فَأَمَّا مَن طَغَى ، وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا، فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى ، وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى، فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى). وقال سبحانه: (بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا، وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى).

 

ولكنّ كثيراً من الناسِ تغرُّهم الحياةُ الدنيا، فتسلبُ منهم عقولَهم وقلوبهم، وتعمي بصائرَهم وأبصارَهم، وتصمُّ آذانهم، فلا يسمعونَ الحق، معَ أنّ الله سبحانَه وتعالى أرسلَ رسلاً ليبينوا للناس حقيقةَ دنياهم، وأنّ الآخرةَ خيرٌ وأبقى لهم، فقال سبحانه: (يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ

رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هَـذَا قَالُواْ شَهِدْنَا عَلَى أَنفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَافِرِينَ)، وقد أمرَ الله عزّ وجلَّ بالابتعاد عن أهل الدنيا الذين غُرُّوا بها، فخاطبَ رسولَه قائلاً: (وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا). وبيّن اللهُ نهاية الدنيا باليوم الآخر الذي لا ينفعُ فيه شيءٌ من متاعِ الدنيا، ولا تنفعُ فيه علاقات الدنيا إلا ما قام منها على التقوى، يقول سبحانه: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَّا يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ).

 

إنّ حبَّ الدنيا أمرٌ فطريٌّ عندَ الإنسان، فهو مظهرٌ من مظاهرِ غريزةِ البقاء، لإنّ بقاءَه الذي فُطِرَ أنْ يُحافِظَ عليه هو يبدأ بالبقاءُ في الدنيا، مع أنه يدركُ بعقله، ويشاهدُ بحسِّه أنه ليس باقياً فيها.لكنّ وجودَه يتعلّق بها، فإن أصابته الغفلةُ، وغُشِّيَ على بصرِه نسيّ هذه الحقيقةَ، وظنّ أنّه مخلّدٌ فيها.

 

والنظرةُ الصحيحةُ للدنيا ولكلِّ ما فيها أنها يُتَوَصَّلُ بها للآخرة، فيستخدمُ الإنسانُ ما يُتاحُ له منها في طاعةِ الله، ويجتنبَ معصيته، فيكون قد أخذها بحقّها، وأدّى حقّ اللهِ فيها، ولا يكون قد ظلمَ نفسَه. يقول الله سبحانه وتعالى: (وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ).

 

روى البخاريُّ أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: (فواللهِ ما الفقرَ أخشى عليكم، ولكن أخْشَى عليكم أن تُبسَط عليكم الدنيا كما بُسِطت على مَن كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، وتلهيكم كما ألهتهم).

 

وعليه، فإنّ الدنيا لا تصلحُ أن تكونَ غايةً ولا هدفاً.

 

 

كتبها لإذاعة المكتب الإعلامي لحزب التحرير

أبو محمد – خليفة محمد – الأردن