Take a fresh look at your lifestyle.

جزُّ العشب عقوبةٌ لجريمة وحشية في كينيا!

 

تعمل الحكومة الكينية من جهة والمنظمات والجمعيات النسوية في كينيا من جهة أخرى على قدم وساق، في سباق مع الزمن، لتحقيق أهداف الألفية التي وضعتها الأمم المتحدة لبلدان العالم، آملة في الوصول للنمو والتقدم المنشودين. ويتمركز هذا العمل حول تحقيق المساواة الفعلية بين الجنسين في كافة المجالات، وإدماج المرأة بشكل كامل في كافة مؤسسات الدولة وجعلها شريكاً فعالاً في الاقتصاد والتنمية. وبينما تتباهى الحكومة وهذه الجمعيات بما تم تحقيقه من مكاسب، تتأمل فتاة صغيرة كسيرة أطلق عليها الإعلام المحلي اسم “ليز” من مقعدها المتحرك هذا الصخب وتلك الشعارات الرنانة والوعود الكاذبة بمستقبل أفضل للمرأة في كينيا، وشتان بين ما يدّعونه والواقع المرير الذي تعيشه “ليز” والكثير من نساء وفتيات هذا البلد الذي يصور كنموذج لبلدان القرن الأفريقي.

لا شك أن هذه الصورة البراقة للمرأة في كينيا تتناقض مع ما تنقله وكالات الأنباء عن أوضاع المرأة في كينيا، مثل الخبر الذي أورده الموقع الإنجليزي لمؤسسة تومسون رويترز نقلاً عن الديلي نيشن بتاريخ 28-10-2013 حول تعرض فتاة كينية في السادسة عشر من عمرها لاغتصاب جماعي وحشي من قبل ستة رجال أدى لعاهة مستديمة وضرر في العمود الفقري، وقد ألقى المجرمون بالفتاة في جارور مرحاض عام عمقه 6 أمتار بعد القيام بفعلتهم الشنيعة التي يعجز القلم عن سرد تفاصيلها. وقد ألقت الشرطة القبض على ثلاثة من الذئاب البشرية بعد تعرّف الفتاة عليهم، فما كان من الجهات الأمنية إلا أن أفرجت عنهم بعد أداء عقوبة بتقطيع عشب الحديقة الملحقة بقسم الشرطة!

لم يفاجئ هذا الخبر المتابعين لأوضاع المرأة في كينيا التي تتميز عن الدول المجاورة لها بانتشار العنف وخصوصاً العنف الموجه ضد المرأة، بينما تصل حالات الاغتصاب في العشوائيات لمستويات وبائية (تقرير منظمة العفو الدولية 2010)، وقد اعتاد أهل كينيا لسنوات رؤية ملصقات في الشوارع كتب عليها “احذري من الذئب البشري، لا تكوني آخر ضحايا الاغتصاب.. كل 30 دقيقة تغتصب امرأة في كينيا”. وتنتشر جرائم الاغتصاب في أرجاء البلاد في ظل عادات ومعتقدات مهينة للمرأة ومجتمع مادي تسوده قيم النفعية والاستهتار بالضعفاء، فيما تهيمن الرأسمالية مصطحبة معها كالعادة قانون الغاب؛ حيث يُغيب صوت الضمير ويستبدل به صوت جهوري ينادي صاحبه “لا مجال للتردد طالما ستنفذ من العقوبة”!! شاعت الجريمة وعم البلاء حتى اعتاد الناس عليها ولم ير البعض فظاعة في هتك الأعراض وارتكاب جرائم العنف ضد النساء. ومما يدل على مدى هذا التهاون ما ذكرته الصحيفة الكينية أن أستاذ أحد المغتصبين اللذين تعرفت عليهم الفتاة “ليز” طلب من صاحب الشرطة تأخير القبض على الطالب حتى ينتهي من امتحاناته، وقد لبّت الشرطة هذا الطلب مما أعطى المتهم فرصة للتخفي. ولا يزال المغتصبون طلقاء يهددون حياة ضحيتهم ويتحينون الفرصة للفتك بغيرها.

بالرغم من المؤتمرات المعقودة والشعارات البراقة وتجميل الحكومة للصورة، تشعر النساء بعدم الأمان والغضب من فساد الشرطة وتهاونها في معاقبة المجرمين وكأنها تشجع على المزيد من الانتهاكات. هذا الغضب نتج عن سلسلة من القضايا التي أبرزت سلبية المجتمع وتهاونه في حماية المرأة ونتج عنها حملة شعبية منددة بقضية الفتاة “ليز” التي وصفت “بأسوأ عقوبة على جريمة اغتصاب”. وقد نادى بعض النشطاء لوقفة جادة حتى تكون قضية ليز حدًّا فاصلاً ونهاية لهذه المهازل، وقد لاقت هذه المبادرة تجاوبا كبيرا؛ حيث وقّع أكثر من مليون ومائتي ألف شخص على عريضة تطالب باعتقال ومحاكمة ثلاثة مشتبهين، على خلفية اغتصاب جماعي للصبية “ليز”. ويزعم البعض أن الحكومة ستلبي مطلبهم، ولكنهم يتناسون المفارقة الكبرى في قضية “ليز” وغيرها.. حيث إن الرئيس الكيني أوهورو كينياتا ونائبه وليام روتو يواجهان تهماً من محكمة الجنايات الدولية بتدبير أعمال عنف وقتل وجرائم اغتصاب عقب الانتخابات الرئاسية التي أجريت عام 2007 في كينيا. حيث أسفرت هذه الجرائم المروعة عن مصرع أكثر من 1200 شخص وتهجير 600 ألف من مساكنهم. إن المرأة بحاجة لمن يحميها من هذه الحكومة، فكيف تحتمي بها؟؟ المشكلة ليست في كيفية معاقبة أفراد مستهترين في جهاز الشرطة أو تغيير بعض الأفكار السلبية عن المرأة، إن المشكلة أعمق وأكبر من ذلك وتحتاج لتغيير جذري. مشكلة “ليز” وغيرها متشعبة ومتشابكة وتستدعي نظرة متكاملة للفرد والمجتمع والدولة.

تعيش كينيا كغيرها من البلاد المنكوبة بالقوانين الوضعية؛ حيث تتفاقم الهوة بين الواقع المرير وما توهمنا به هذه الحكومات الفاشلة والمنظمات والجمعيات من دعوات براقة لدمج المرأة في العملية السياسية وتفعيل دورها في الاقتصاد بقصد تحقيق الرقي. فهم يشغلون المرأة بتحقيق أهداف الألفية وهي في أمسّ الحاجة للأمن والأمان.. إنه ذرٌّ للرماد في العيون. يسحرون أعين الناس ويصورون لهم أن الرقي يكمن في تقلد المناصب العليا بينما لا تجرؤ المرأة على السير في الشارع دون أن يتعرض لها من في قلبه مرض! ثم أية أهداف تُرجى من أنظمة تؤذي شعوبها للوصول لسدة الحكم؟! إنه السراب بعينه.

كلما سمع المرء بقصص “ليز” وأخواتها خنقته العَبرة وهو يقول: ما أحوج البشرية لنظام الإسلام، ما أحوج المرأة للعيش في ظل حكمٍ رشيد يحفظ كرامتها ويوفر لها الأمان. هذا الأمان لا يتحقق بمناصب سيادية لبعض النسوة ولا بشعارات براقة ووعود كالسراب من منظمات لها مآرب أخرى ولا تكترث لدماء وأعراض أهالي المستعمرات. إن هذا الأمان غائب بسبب غياب فكر رباني يحمي المرأة وينظر لها كعرض يجب أن يصان، فتركز الدولة هذا الفهم في رعاياها وتوجد رأياً عاماً يحمي المرأة ونظاماً يردع كل من تسول له نفسه المريضة بأن يتطاول على أعراض الناس؛ وبهذا تتحقق الحماية الفعلية للمرأة على المدى الطويل. أما ما دون ذلك فلا يسمو لطموح المرأة كإنسان يقدم الأمن على ما سواه من مكاسب ويتوق للعيش بكرامة وعزة. ما سواه لا يعدو كونه عِصيَّ سحرة فرعون في اللحظة الفاصلة أمام عصا سيدنا موسى.


﴿قَالَ أَلْقُوا ۖ فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُ‌وا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْ‌هَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ‌ عَظِيمٍ ﴿116﴾ وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ ۖ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ ﴿117﴾ فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴿118﴾ فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانقَلَبُوا صَاغِرِ‌ينَ ﴿119﴾ وَأُلْقِيَ السَّحَرَ‌ةُ سَاجِدِينَ ﴿120﴾﴾



كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
أم يحيى بنت محمد

 

 

mqala_kenya_31_10_2013.pdf